رسالة رئيس جامعة حلبجة في ذكرى قصف المدينة بالسلاح الكيماوي

رسالة رئيس جامعة حلبجة في ذكرى قصف المدينة بالسلاح الكيماوي

ذوي شهداء مدينة حلبجة الأبرار والأعزاء..

في كل عام مع إشراقة شهر آذار، تستيقظ في نفوسنا آلام مدينة حلبجة ومآسيها، لتخنق أنفاسنا بذكراها الأليمة. قبل ثمانية وثلاثين عاماً، لجأ نظام البعث البائد، في محاولته لمحو هذه المدينة والشعب الكردي، إلى استخدام الأسلحة الكيماوية المحرمة دولياً؛ لكن حلبجة أبت إلا أن تبقى حية، لتغدو عاصمةً للسلام والتعايش.

نحن اليوم في أحضان حلبجة؛ المدينة التي لم يُكتب تاريخها بالحبر فحسب، بل نُقش بالدم ودخان الحرائق. إن يوم السادس عشر من آذار ليس مجرد تاريخ عابر أو رقماً عادياً في تقويمنا وذاكرتنا الكردية والإنسانية، بل هو أبعد من ذلك بكثير؛ إنه نقطة تحول في الضمير الإنساني على مستوى العالم.

إننا في رئاسة جامعة حلبجة، حين ننظر إلى تاريخ هذه المدينة وحاضرها، لا نرى مجرد صورة لفاجعة، بل نرى رسالة أكاديمية ومعرفية جسيمة؛ رسالة تُعلمنا كيف نحول جرحاً بهذا العمق إلى طاقة لبناء الإنسان والعلم.

لقد كانت حلبجة، قبل أن تقع ضحية للسلاح الكيماوي، تكيةً للعارفين، وملاذاً للشعراء، ومركزاً ثقافياً ومنطلقاً للأفكار والرؤى الجديدة المتصلة بإرثها العريق. إن البعد الثقافي والتعددية في هذه المدينة يمتلك جذوراً تاريخية عميقة؛ فبين أزقتها تمازج صوت "نالي" المبدع، و"مولوي" العارف، و"گۆران" المجدد، و"طاهر بك الجاف". كانت حلبجة دوماً مدينة للتعايش الديني والمذهبي، مدينةً لم تكن مساجدها وتكاياها وحجراتها الدينية مجرد أماكن للعبادة، بل كانت مراكز لإنتاج الفكر والأدب. هذا التعدد الثقافي جعل من حلبجة هوية ثقافية حية لكوردستان جمعاء. لكن أعداء الحياة لم يستهدفوا أجساد البشر فحسب، بل أرادوا إسكات تلك الهوية الثقافية والأصوات المتعددة التي كانت تحمل تباشير الحرية والجمال.

إن قصف حلبجة بالكيماوي ليس مجرد جريمة حرب، بل كان "إبادة علمية" أيضاً. ونحن، بصفتنا صرحاً للتعليم العالي، نرى أن واجبنا الأساسي في جامعة حلبجة هو نقل هذه الكارثة من إطار السرد العاطفي إلى فضاء البحث العلمي؛ لنجد إجابات عن تساؤلاتنا: كيف يتحول العلم والتكنولوجيا في أيدي الدكتاتوريات إلى أدوات للفناء والإبادة الجماعية؟ وكيف يمكن للكيمياء، التي وُجدت لخدمة الطب والحياة، أن تتحول إلى "تفاح مسموم" يخنق البشر والرضع؟ إن واجبنا الأكاديمي يحتم علينا دراسة الآثار طويلة الأمد للسموم على الجينات البشرية والبيئة. إننا نطمح لجعل جامعة حلبجة منصةً ومركزاً دولياً للبحوث المتعلقة بالإبادة الجماعية والأسلحة المحرمة، منعاً لتكرار مثل هذه الفجائع في أي بقعة من هذا الكوكب.

نحن هنا لنرد بالعلم والبحث على الجهل والظلام الذي أراد بالغازات السامة إطفاء نور هذه المدينة. إن طلبتنا، وهم جيل ما بعد الكارثة، خير دليل على انتصار الحياة على الموت؛ فهم بأقلامهم يكتبون أسماء أولئك الأطفال وينتصرون لذكراهم، أولئك الذين حرمهم السم من ارتياد مدارس حلبجة.

ومن المنظور السياسي، ليست حلبجة مجرد مدينة ضحية، بل إن قصفها كشف القناع عن الوجه الحقيقي للمصالح السياسية العالمية. إن صمت المجتمع الدولي في عام ١٩٨٨ وما تلاه، كان أكبر سقوط (انهيار) أخلاقي للسياسة الدولية. لقد علمتنا حلبجة أنه حين لا تقوم السياسة على أسس العدالة وحماية الكرامة الإنسانية، فإنها تتحول إلى آلة دمار تخضب المدن بالسم والدماء. لذا، نسعى في جامعة هذه المدينة إلى إعداد كوادر سياسية وطلبة مؤمنين بالدبلوماسية الإنسانية وحماية حقوق الإنسان.

حلبجة مدينة بألف لون وصوت؛ هنا يتعايش الشعر الكلاسيكي والحديث، وصوت الدف والموسيقى والمسرح المعاصر. هي وطن العشرات من الشيوخ والصالحين والنساء، نماذج وأيقونات لحب الحياة. إن بُعدنا الثقافي هو جوهر مقاومتنا، فنحن نثبت عبر ثقافتنا وفننا أن الموت لم ولن يستطيع محو هويتنا. وجامعة حلبجة ليست مكاناً لإلقاء المحاضرات فحسب، بل هي بيت لحماية هذا التراث الزاخر الذي يمتد بجذوره في التاريخ ويتطلع نحو مستقبل مشرق.

إننا في رئاسة الجامعة، نعاهدكم ونؤكد التزامنا بجعل جامعتنا قلعة علمية لخدمة هذه المدينة. سنستمر في البحث عن الحقائق، وتوثيق الجرائم، وبناء جيل سلاحه الوحيد هو العلم والإنسانية.

ختاماً.. السلام والخلود لأرواح الشهداء.